جلال الدين السيوطي

261

الأشباه والنظائر في النحو

المسألة الثانية عشرة : فإن قال لها : « أنت طالق » أن دخلت الدار - بفتح أن - طلقت لوقتها ؛ لأنّ المعنى : أنت طالق من أجل أن دخلت الدار ، أو لأن دخلت الدار ، فقد صار دخول الدار علّة طلاقها والسّبب الذي من أجله طلّقها ، لا شرطا لوقوع الطّلاق كما كان في باب ( إن ) . وهي تطلق إذا فتح ( أن ) كانت دخلت الدّار أو لم تدخل ، فإنّ الطلاق يقع بها في وقته . وكذلك إذا شدّد ( أنّ ) وفتحها فقال : « أنت طالق أنّك دخلت الدار » طلقت لوقتها كانت دخلت الدّار أو لم تكن دخلت . وشرح ذلك أنّه لو بلغه أنّها دخلت دار زيد ولم تكن دخلتها في الحقيقة فقال لها : أنت طالق ثلاثا ، فقالت له : لم طلّقتني فقال : من أجل أنّك دخلت دار زيد ، فقالت : إنّي لم أدخلها قطّ وقع الطلاق ولم يكن ذلك بمانع من وقوعه . وكذلك إذا قال لها : « أنت طالق أن دخلت دار زيد » فكأنّه طلّقها ثمّ خبّر بالعلّة التي من أجلها طلّقها والسبب ، والإخبار بذلك لا يمنع من وقوع الطّلاق . وكذلك لو قال لها : « أنت طالق إنّك دخلت الدار » - فكسر ( إنّ ) وشدّدها - طلقت وهذا لم يخبرها بالعلّة التي من أجلها طلّقها ، ولكنّه طلّقها ثمّ خبّرها بخبر منقطع من الأوّل ، وكأنّه خبّرها بما ليس ممّا هما فيه بشيء ، فالإخبار به والإمساك عنه سواء ، إذ ليس بشرط للطّلاق ولا بعلّة له . فهذا الفرق بين كسر ( إنّ ) وتشديدها ، وبين فتحها وتشديدها ، وفتحها وتخفيفها ، وكسرها وتخفيفها فاعلم ذلك . المسألة الثالثة عشرة : فإن قال لها : « أنت طالق إذ دخلت دار زيد » فكأنّه قال لها : أنت طالق وقت دخولك دار زيد فيما مضى ، وهي في تقدير : أنت طالق أمس ، فالطلاق يقع بها وذكره المضيّ لغو . وهذا في اللغة كلام متناقض ، قد نقض آخره أوّله ، اللهمّ إلّا أن يكون قد طلّقها يوم دخولها دار زيد ، ثمّ خبّرها الآن بما كان منه في ذلك الوقت ، وإن كانت لم تدخل دار زيد قطّ ، فقال لها أنت طالق إذ دخلت دار زيد فكأنّه قال لها : أنت طالق أمس ، ثمّ كذب عليها بقوله : دخلت دار زيد ، فسواء هذا وقوله : « أنت طالق أمس » ، و : « أنت طالق إذ دخلت دار زيد » . ولو حمل هذا على حقيقة اللّغة كان قوله : « أنت طالق إذ دخلت دار زيد » ، و : « أنت طالق أمس » كلاما مستحيلا ، لأنّه متناقض ؛ كأنّه قال : « طلّقتك أمس » ، وأمّا قوله : أطلّقك أمس فمحال ، لانتقاض أوّله بآخره . وأمّا قوله : « طلّقتك أمس » ؛ فإن كان قد فعل فقد مضى القول فيه ، وإن كان لم يفعل فإنّما كذب في إخباره ، وباب وقوع الطّلاق فيه ما يذهب إليه الفقهاء في ذلك .